ليته لم يثر –من حكايات الربيع العربي
بعد أن تخرج الشاب عبدالناصر من كلية التجارة والاقتصاد من جامعة صنعاء وحصل على الوظيفة في احدى البنوك المهمة في الدولة اخذ يشتغل براتب طفيف يغطي بعض حاجاته الأسرية , وكان الشاب ينفق كل راتبه الشهري المتواضع على أخوانه الصغار أحمد ومحمد وأخته أروى وكلهم يدرسون مرحلة الإعدادية باستثناء أخوهم الأكبر نشوان والذي يدرس في قسم الهندسة جامعة صنعاء .
بدأ الناس- البسطاء الممنّجون- يقولون أن هناك ربيعاً عربياً وظلت هذه الظاهرة تمر على أوجاع الناس وبسرعة البرق في ظل الإعلام وكانت هناك قناة توزع الشر لكل أهل ذك البلد من ذوي الأحلام الخاسرين تزودها أمّها البعيدة, وأخذ الناس يتوافدون نحو الربيع الاسم وجهلوا معاني وافاعيله ودلالاته ,انطلقوا يريدون الخلاص من ذاك الحزن القاتم والمغيّم على المدينة ذهبوا وسار معهم الشاب "عبدالناصر" يراقص احلامه مع المذياع الذي يملكه بعض مشائخ تلك البلدة وهم أصحاب مزرعة الربيع , ظل الشاب متراقصا ً مع البهجة والتي يرووها رجال الدين من صحيح البخاري ومسلم.
في مساء الجمعة عاد الشاب مدبر مخضباً بالدم ,عاد وبشقاوة منظر كادت الصدفة أن ترسم له تمثالاً في طريق التغيير بجوار مزرعة الربيع , قنصوه في صدره,طارات ثلاث رصاصات الى جسده النحيل من قوات الأمن بدسيسة الأوصياء الذين يجيدون الخداع ,لقد رأيته وهو يواجه تلك الجحافل ممن تعودوا على شرب دماء الأخرون , وبعد أن عُرض جسده وعيناه التي أبت ان تنطفي حتى دفنه ,بعد أن أُلقي ذلك الجسد النبيل على الأرض أبى ان يأخذه بعض من ضعاف النفوس وبعد أن مرت لحظات فارقة من السواد حملوه بعض من البائيسين كان جسده قد أخذ بعضاً من جزيئات وتراب الوطن الغالي واخذا يتلاصقان بدم الشاب في معادلات مشتعلة لن تنطفي بوصولنا الى الصفحة الأخيرة من التاريخ.
ماخسره الشاب المسمّى شهيداً برواية من يسمونهم رجال الدين هو أنه ودّع أمه القروية وكان قد غابها لسنوات طوال في العاصمة صنعاء,غاب وترك التاريخ مليئاً يصفحات السوداء والألام,بالنسبة لي تذكرته في جلسة مع فنجان قهوة كان يجمعني به كل أسبوع وعلى شارع عشرين في العاصمة صنعاء يمتليء بالأمل والانتاج ,كان الأولى به أن يحمل تلفونه ويخبرني ما تفاصيل المعركة ,الجميل في تفاصيل ما روته أنامله في أيامه الأخيره أن تجار اللون الأحمر مازلوا يؤلمون الجميع وأن العيش والتضحية هي فقط ابتلاع الأحلام الشابة التي تحاول صنع الحياة .
الأن وقد غادرت روحه الطاهرة الى ربها ندم كثيراً على إفراطه في حب الوطن ولأنه أخذه مأخذ الجد لم يعلم من قبله أن حب الوطن موجعاً وأليما,لقد خاب كل ماراح إليه عندما رأى أمه في حقلها مع أخوه الصغير يحصدون الثمر وبتنهدات عالية يقولون"ليس لنا من الأمر شيئاً الا عبدالناصر" ,يا إلهي كم ترك من مأسي حينما حبس ما كان ينفقه على إخوانه وبعض أفراد أسرته ولكن حلمه أبى أن يصل السحاب بثوب الحرية ,لقد كان عظيماً ولكنّه أخطأ ..
